الشيخ محمد رشيد رضا

277

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التنازع بين الحق والباطل كان الفلج للحق ، وإن كان بين العلم والجهل كان الظفر للعلم ، وإن كان بين النظام والاختلال كان النصر للنظام ، وإن كان بين الصلاح والفساد كان الغلب للصلاح ، كما قال تعالى في الحق والباطل ( 21 : 18 بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) وقال في بيان نتيجة المثل الذي ضربه لهما ( 13 : 17 فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) وأما التنازع والتعادى والتقاتل على الشهوات الباطلة ، والسلطة الظالمة ، واستعباد القوي للضعيف ، والاستكبار والعلو في الأرض ، فان ضرره كبير ، وشره مستطير ، يزيد ضراوة البشر بسفك الدماء ، ويورثهم الحقد ويؤرّث بينهم العداوة والبغضاء ، وقد اشتدت هذه المفاسد في هذا الزمان ، حتى خيف أن تقضي على هذا العمران العظيم في وقت قصير ، بما استحدثه العلم الواسع من وسائل التخريب والتدمير ، كالغازات السامة ومواد الهدم والتحريق تقذفها الطيارات المحلقة في جو السماء ، على المدائن المكتظة بالألوف من الرجال والنساء والأطفال ، فتقتلهم في ساعة واحدة أو ساعات معدودة وقد حارت الدول الحربية في تلافي هذا الخطر ، وترى دهاقين السياسة في كل منها يتفاوضون مع أقرانهم لوضع نظام لتقرير السّلام ، ودرء مفاسد الخصام ، بمعاهدات يعقدونها ، وأيمان يتقاسمونها ، ثم ينفضون خائبين ، أو ينقضون ما أبرموا متأولين ، ويعودون إلى مثله مخادعين وقد بين اللّه تعالى في كتابه سبب هذه الخيبة بما وجدنا مصداقه في هذه الدول بأظهر مما كان في عرب الجاهلية الذين نزل هذا البيان في عهدهم ، كأنه نزل في هؤلاء الإفرنج دون غيرهم ، وهو من عجائب القرآن في لفظه ومعناه . وذلك قوله تعالى بعد الامر بالايفاء بعهده ، والنهي عن نقضه ( 16 : 92 وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ) والمعنى لا تكونوا في نقض عهودكم والعود إلى تجديدها كالمرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة إبرامه نقض أنكاث ( وهو جمع نكث بالكسر ما نقض ليغزل مرة أخرى ) حال كونكم تتخذون عهودكم دخلا بينكم